الاثنين، 14 مارس 2011

بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلاميون في العالم والقضية الأرترية.
وانا من صغري مولع بمتابعة أخبار بلدي في كل الوسائل الإعلامية ، وعندما اجد شيئا مكتوبا تجدني اسبح في غمرة الفرحة ، وكأننا توجنا ملوك الأرض ، واخذنا قيادة البشرية ،وكأنما وضعت الشمس في يميننا والقمر في يسارنا ، واعتقد هذا دأب كل ارتري عاش غربة القرن العشرين ، حيث كانت الثورة الأرترية تذود عن حمى الديار ، وتصد جحافل الغزاة، حتى ان مدافنا كانت تُسمعُ في مقر (منظمة الوحدة الأفريقية ) ولكنها كانت تحشُوا الكرفس في آذان قادتها، فكنا نلتفت في كل اتجاه فلا نجد الا مص الشفاه ، وفرقعة الأصابع ،ولي الأعناق ، والتجاهل لقضية شعب بكامله، تعرض لسلب ارضه ظلما ، ومورست عليه كل انواع القمع ، ومع ذلك ظل عالم القرن العشرين، يوصد قلبه بالأكنان ، ويتظاهر بالصمم ، وكان هذا الأمر يؤلمنا ويكرر الإيلام في خلايانا ، ولو كان هذا من الأعداء لهان ، لكن أن يكون من الأصدقاء فهو الألم والحسرة اللآمتناهية في ضمائر الأحرار الذين ينشدون العزة والكرامة في او طانهم.
المسلمون الأرتريون أقلية !!!!
عندما بدأت في كتابة هذه الأسطر القليلة ، كان الهدف منها أن اتناول خطأ كان يقع عليه بعض القلة من الكتاب الإسلاميين ، وربما ما زالوا ، وهو انهم يصنفون المسلمين في ارتريا في ( الأقليات الإسلامية في العالم) ، ولكن في أثناء البحث خطرت لي فكرة ، وهي هل يعلم الأرتري وخاصة المسلم قبل المسيحي دور( الحركات الإسلامية) في مساندة القضية الأرترية قبل مرحلة الكفاح المسلح و في أ ثنائها ؟ وقد حرف هذا التساؤل وجهتي ، فأردت أن استفز ذاكرة الباحثين لهذه القضية المهمة من وجهة نظري .

فقد كنا نجد ونحن طلاب صغار ، وقلوبنا مفعمة بحب الوطن الغالي ، ومتشوقة للإنعتاق من قبضة المستعمر الظالم كنَا نجد الكتَاب الإسلامين والعلماء والدعاة والمفكرين ومن لهم منابر اعلامية يهتمون اهتماما كبيرا بالقضية الأرترية ، وكان هذا مصدر فخرنا وسعادتنا ، واظن نحتاج دراسة متكاملة لهذا الأمر ، وذلك لإزالة اللبس الذي وقع فيه قطاع كبير من الأرتريين، حيث ظن بعضهم بأن الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي لم تول قضيتهم الإهتمام اللآئق بها كأحد قضايا الأمة الإسلامية ، وهي فرصة كذلك لكشف اللثام وإزالة القناع الذي ضربناه نحن قراء العربية حول المساهمات الإعلامية لـ ( الحركات الإسلامية ) في العالم، ودور تلك الحركات في نصرة قضيتنا التي بذلنا من اجلها المهج والأرواح ، واحببنا وخاصمنا من اجلها القريب والبعيد ، وهي فرصة كذلك لتبيين الحقائق ، وبذل المعروف لأهل المعروف ، وتقديم الشكر لمن احسن الينا.
مواقف ساطعة كالشمس في رابعة السماء:
اعتبرت الحركات الإسلامية القضية الأرترية قضية اسلامية محورية لم تغب يوما عن مجالسهم ، ولم تبتعد عن همومهم ، فهي حاضرة في اعلامهم ، ومذكورة في منابرهم ، وربما تكون خلت منها مضابط مجالسهم واجندتهم بسبب تقصيرنا ، حيث انصرف الشباب الأرتري في نهاية الستينات وبداية السبعينات الى مجالس حملة الأفكار الماركسية ، والبعثية ، والقومية . وأنا لست اوجه نقدا لأحد لكن كان ينبغي لصاحب قضية تحررية أن يكون همه تحرير بلده ، والتعاون في سبيل ذلك بكل من يريد مساعدته والوقوف معه من غير قيد وشرط ،ولكن للأسف في وقت كنَا نستجدي فيه مثلا كثير من الجهات، والمنظمات، والهيئات في انحاء العالم ، وكنا نحلم بلمحة من لحظهم الكحيل وببسمة من ثغرهم الباسم ،لم نكلف انفسنا لمعانقة من فتح لنا ذراعيه ومصافحة من مد لنا يديه ، ولست في حاجة الآن لسرد امثلة عديدة ، ولكن ما قابلتُ مفكرا او عالما او صحفيا بارزا من قادة العمل الإسلامي وشرحتُ له اوضاع بلدنا ، إلا واخبرني بالمرارة التي يغصُ بها حلقه ، وذلك لإنشغال جل القادة الأرتريين عن قضيتهم الرئيسة بقضايا هامشية ، ومنها محاولة الدخول في تحالفات، وتحديد المواقف بالأفكار والأيدلوجيات ، وما اظن أن قائدا ارتريا كلف نفسه لزيارة قادة العمل الإسلامي في الوطن العربي ،[ الا اسياس افورقي وزياراته المتكررة للزعيم الإسلامي في السودان/ حسن الترابي، وكما يقال في المثل : لأمرما جدع قصير أنفه !!! ]، وقد يتخيل الشباب الناشئ انا قادتنا المبجلين ربما ابتعدوا من زيارة هؤلاء حتى لا يغضب عليهم حكام العرب او السيد / العم سام ، الذي يغضب العالم لغضبه ، او لكسب ود الساسة الأروبيين ، لكن في الحقيقة لم يكن هذا ولاذاك ، فقد كان العالم افضل مما هو عليه اليوم في الإتصال والتواصل ، لكن ربما كان السبب افكار سكنت في العقول ، وقناعات ترسخت في النفوس فحادت باصحابها بعيدا عن حب الحبيب ، وتوقير الجار والقريب ، ونأت في شاطئ الأفكار بعيدا ، حيث تقاذفتها امواج المصالح العالمية ، ولست انسى وانا طفل صغير ، عندما سمعت من بعض الشباب الأرتري الممركس ( المنتمين للأفكار الماركسية ) بأن نظام الدرق نظام ثوري تقدمي ، ينبغي ان نبني معه ثورة الكادحيين!!!!!! لم افهم مما قال من فلسفات شيئ : غير اني ادركت من يومها بأن الأفكار خطرة خطر النار في الهشيم ، فإن كان السُكر يغيب العقل ، فربما كل هوي مغلُوط يغيبُ الحقائق ويعمي البصائر:
نماذج بسيطة :
اهتمت الحركة الإسلامية منذوا نشأتها بقضية ارتريا ، فقد إحتضن الإخوان المسلمون الطلاب الأرتريين في مصر من أيام الشيخ / حسن البنا ، حيث انتظم في صفوفهم المناضل الكبير واستاذ الفدائيين الأرتريين الشهيد / سعيد حسين الذي اشترك مع كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين في حربهم ضد العصابات الصهيونية في فلسطين، وكذلك انتظم في صفوفهم ابو الحركة الإسلامية الأرترية المرحوم الشيخ / محمد اسماعيل عبده، وغيرهم من الطلاب ، بل ارسل الإخوان بالتعاون مع بعض المؤسسات الرسمية في مصر بعثة الى ارتريا ،برئاسة الشيخين عبد الله المشد، وفضيلة الشيخ محمود خليفة،رجعا بتقارير موثقة اورد جزء منها / سيد قطب رحمه الله ، في كتابه – دراسات إسلامية – نبذة وافية ، وقال الشيخ / حسن البنا : لقد ارسلنا الى جنوب الوادي بعثة أنشأت شعبة للإخوان المسلمين في أسمرا،وظل الإخوان ينظرون الى قضية ارتريا بإعتبارها قضية إسلامية صميمة يجب مناصرتها والدفاع عنها، بل كان مقر الإخوان المسلمين قديما في ( الدرب الأحمر) قبلة لجميع المناضليين والثوريين من مختلف انحاء العالم ، وكان القادة الأرتريون يستقبلون بحفاوة بالغة ، ولست ادري لماذا اداروا ظهرهم للجماعة ، ربما تكون ظروف تغييب الإخوان في السجون هي السبب !، أو قد يكون غسل بعض قادتنا الذين هيمنوا في جسم الثورة أيديهم عن دين الله هو السبب ! !!

كما أن مواقف الحركة الإسلامية في السودان ، وإعلامها، وأعلامُها تجاه القضية الأرترية مشرف ومعروف ، فقد نافحت الحركة الإسلامية عن القضية، ودافعت عنها في داخل السودان وخارجه ، وكانت جريدة الميثاق ومن بعدها الراية لا تخلوان من أخبار ارتريا ونضالها وحق شعبها في الحرية ، وان كان استاذنا البرفسور / حسن مكي ، كاد يسبب لي قرحة في المعدة او حتي جلطة دماغية ، او سكتتة قلبية ، حيث كان الصوت النشاز في داخل الحركة الإسلامية السودانية الذي كان يعارض استقلال ارتريا ، بحجة ان انفصالهم هو مزيد ضعف للمسلمين في اثيوبيا ، وكنا نقول له : اولا ينبغي ان تقر بحقوقنا في الإستقلال ونيل حريتنا التي سلبت ، وبعض ذلك نقرر بحر ارادتنا التعايش مع اثيوبيا او الإبتعاد عنها ، ومع ذلك يمكننا دعم اخواننا والوقوف معهم ، والقيام بحقوق الجار .
ولا انسي الأساتذة الفضلاء امثال/ الصادق عبد الله عبد الماجد حفظه الله ورعاه ، والذي كانت بيته مأوى الأرتريين، وكان يبذل ماله ووقته لهم ، وكانت جريدتهم ( القبس ) كأنها جريدة ارترية، وكذلك الشيخ ، سليمان ابو ناروا، والحبر ، والصافي نور الدين ، وحاج نور. كما كان لجماعة انصار السنة المحمدية دورها المعروف في دعم التعليم وطلاب العلم ، فقد سافر الشيخ / التقلاوي رحمه الله سنة 1948 الى ارتريا للعمل في المدارس العربية هناك. وقد استفاد الأرتريون من معاهدهم المنتشرة في شرق السودان فائدة عظيمة ،و جزى الله خيرا الشيخ المرحوم / محمد الحسن عبد القادر على جهوده التي بذلها في هذا المضمار وغيره لخدمة ارتريا والسودان .
المجلات الإسلامية :
كانت المجلات الإسلامية تغطي أخبار ارتريا وثورتها الصامدة ، مثل مجلة الدعوة التي كان يصدرها الإخوان المسلمون ، ومجلة المختار الإسلامي الرائدة التي كان صاحبها من أكثر الناس معرفة بأحوال ارتريا ونضالها ، كما لا انسي مقالا قرأته للأستاذ / كمال الدين جعفر عباس تحت عنوان : إريتريا أرض الصدق بين أحقاد الصليبية وأطماع الشيوعية– في مجلة الأمة القطرية، وكذلك التحقيق الموسع الذي أجرته مع قادة النضال الأرتري ، وهذا ما كانت تفعله جريدة (المسلمون ) التي كانت تصدر في المملكة العربية السعودية، وكانت مجلة الإعتصام الإسلامي لايخلوا عدد من اعدادها من مناصرة القضية الأرترية ، اما مجلة المجتمع الكويتية ، فأعتقد أن دورها لا يخفى على أي ارتري متابع لقضيته ، فهي بحق كانت وما تزال مجلة القضايا الإسلامية في العالم الى يومنا هذا ، ومواقف الحركة الإسلامية وخاصة في المجال الإنساني مشهود لها .
كما لا ننسي ابدا دور اخواننا في الحركة الإسلامية في الصومال وتبنيهم لقضية ارتريا بإعتبارها قضية إسلامية في مناهجهم، ومجالسهم، وحلهم وترحالهم ، وكذلك لم ينسِ بُعدُ المسافة حركة المودودي في باكستان مناصرة قضية ارتريا ، والتعريف بها ، ولا توجد حركة اسلامية من المحيط الى الخليج لم تدافع عن حق الشعب الأرتري ، بل وجدنا اخواننا في السنقال(جماعة عباد الرحمن ) يقولون : ان قضية ارتريا هي قضيتنا
شخصيات إسلامية:
رحم الله الشيخ / محمد الغزالي الذي اعتبر الطلاب الأرتريين ابنائه، وظل يرعاهم الى وفاته ، وقد كتب عن قضية ارتريا في كثير من كتاباته مثل كتابه الشهير ( الإسلام في وجه الزحف الأحمر ). والدكتور جمال عبد الهادي استاذ التاريخ الإسلامي المعروف ، الذي يعشق ارتريا وشعبها ، وقد كتب عنها في كثير من كتبه ومقالاته ، وقد تحدث عنها كثيرا في محاضراته ، والشيخ / احمد القطان صاحب القصيدة الرائعة التي القاها من فوق منبره المتألق، والتي مطلعها .
ارتريا يا اول الإسلام كم شهد النجاشي وجعفر الطيار.

والسلسة تطول / امثال العلامة / محمود شاكر ، وصاحب الرواية الشهيرة ( الظل الأسود ) الدكتور / نجيب الكيلاني، ومن شدة اعجابي بالرواية احلم ان اراها يوما فلما يمثل جهاد المسلمين في ارتريا والحبشة عموما . و يقف على راس الهرم الرجل الذي نذر نفسه للقضية الأرترية فألف فيها ودافع عنها ، وتحمل المصاعب من اجلها ، ذلكم الشيخ المجاهد والمفكر الصابر المرحوم / عبد الله السمان ، والذي ترك لنا قصة تحديه للإمبراطور هيلي سلاسي ، وتعمد طبع وتوزيع كتابه حول ارتريا في نفس يوم زيارته للقاهرة ، وتحريضه الطلاب الأرتريين للزحف الى مطار القاهرة وإحراج الإمبراطور امام العالم ، وكان له ما اراد ، فلم يخيب الطلاب الأرتريين آنذاك ظنه ، ومما كتبه قبيل موته رحمه الله رحمة واسعة هذه الكلمات في مقال له نشر في{ الإسلام اليوم} يقول رحمه الله: ( وأما ما حدث في إريتريا فهم أكثر إيلاماً. المعروف أن شعب إريتريا يغلب عليه الطابع العربي، وأن جهاد إريتريا ضد إثيوبيا حتى استقلت، كان مدعوماً من العرب والمسلمين، لكن تدخل الصليبية الدولية وإسرائيل ـ ونحن نائمون ـ جعلت السلطة بيد الصليبيين بزعامة الأفاق (أفورقي) الذي بدأ حكمه باضطهاد المسلمين والزج بالشباب المسلم المناضل في السجون حتى اليوم، وبالتنكر للعرب، رفض الانضمام للجامعة العربية، واعترف بإسرائيل، والتنكر للسودان الذي جعل من أرضه موئلاً للمجاهدين الإريتريين؛ بل وجازاها جزاء سنمار؛ فأصبح يساند المتمردين في الجنوب وفي شرق السودان . وصدق رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه:"آلت النفس الخبيثة ألا تغادر هذه الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها). ومن ينسى الشيخ / عبد الحميد كشك رحمه الله ودفاعه المستميت عن ارتريا وشرح قضيتها بأسلوبه السلس و المستساغ، وقد قال عن منجستوا عندما إجتاحت قوات( الدرق ) ارتريا وبدأت تشرد وتقتل: يا منجستوا تقتل اخواننا المسلمين في ارتريا ، ما اقبحك ! لقد اجتمعت في اسمك كل حروف النجاسة . وكذلك يستثمر الشيخ/ القرضاوي: حفظه الله كل مجال يتاح له لمساندة الشعب الأرتري سواء كان بالقول او الفعل ، يقول مثلا في كتابه القيم (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي): (... لينظر إلى المسلمين في الحبشة مثلاً وما يقاسونه من عنت واضطهاد وإهدار للحقوق الإنسانية، مع أنهم يكونون أغلبية السكان، ولهم أقاليم إسلامية خالصة لا يشاركهم فيها غيرهم. (انظر: كتاب "مأساة الإسلام الجريح في الحبشة" وكذلك التقرير الذي كتبه طالبان أزهريان من الحبشة عن وضع المسلمين هناك، ونشره الشيخ محمد الغزالي في كتاب "كفاح دين" تحت عنوان "ذئاب الحبشة تنهش الإسلام". وانظر: كتاب "اريتريا والحبشة" في سلسلة مواطن الشعوب الإسلامية للأستاذ محمود شاكر، نشر مكتبة الأقصى ـ عمان)
لم أُرد كتابة بحث عن هذه القضية المهمة ، ولكن فقط اردتُ لفت انتباه الذين حملوا الخناجر للدول العربية ، وسلقوها بألسنة حداد، واتهموها ظلما وزورا بأنها قمطت الأرتريين حقهم ، وانها تآمرت في نضالهم ، اردت ان ازيدهم في الحرف نقطة ، وفي المشوار خطوة ، هذه بعض مواقف اهل الإيمان من قضيتنا ، أفلا يستحقون منا الشكر ؟؟ فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله . أما الدور العربي عامة : فقد كتب فيه الكثيرون من كتابنا ، ولكنني لا اعلم من افرد مساحة خاصة لجهد الحركات الإسلامية تجاه القضية الأرترية ، ولعلي اكون حفزت الذاكرة ، وفككت العقال ، واستنطقت المكنون ، في خزائن وصحائف وعقول كتابنا الفطاحل لعلهم يكملون المهمة.

اخوكم / محمد جمعة ابو الرشيد .
Mja741@hotmail.com

الاثنين، 17 مايو 2010

علماء ودعاة ومفكرون ارتريون عرفتهم

بسم الله الرحمن الرحيم

{ 3 }

( علماء ودعاة ومفكرون ارتريون عرفتهم)

الحمد لله والصلاة والسلام على أ فضل خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد :

وانا اخطط لحلقات ( علماء ودعاة ومفكرون ارتريون عرفتهم ) أدرجت ضمن القائمة الأخ المفكر / عبد القادر محمد على/ بحيث اسجل منه ما استطعت من سيرة حياته ، إن كتب الله اللقاء ، ويوم أمس كعادتي مررت على المواقع الأرترية في الشبكة العنكبوتية ،واثناء مروري على موقع ( الحزب الإسلامي الأرتري للعدالة والتنمية )وجدت خطا موشحا بالسواد فإذا هو نعي يقول : مات الأستاذ المربي( عبد القادر محمد على ) وقد أصابتني الدهشة واعتراني الذهول فإذا من هو جالس بجواري على الكمبيوتر يسمعني اردد الترجيع ( إنا لله وإنا اليه راجعون ) فيبدوا أنه قد سألني، ولم اسمعه فقام الى ووضع يده على منكبي وقال خير إنشاء الله: فأنتبهت ! ولولم يكتب في النعي المذكور ( الأستاذ الجليل المربي ) لتوقعت أن يكون أحد من شاطره الإسم من الأفاضل ، ولكن من ممكن أن يوصف بوصف من يزكي النفوس، وينير العقول، ويربي الأجيال غير جبل الثقافة ومعين المعرفة وينبوع الخير ؟ إنه إذن استاذي عبدالقادر محمد علي ، يفارقنا في وقت أحوج ما يكون اليه الشباب ، والعلم ، والثقافة ، والدعوة الإسلامية ، واللآجئيين والعمل الوطني . رحل والقلب قد إستبدت به الأشواق والنفس عاشت تؤمل اللقاء ، ولكن قدر الله نافذ وما على المؤمن إلا الرضي والقبول والإنقياد، فالموت مصير كل حي ، ويبقي وجه ربك ذوا الجلال والإكرام .

كان آخر عهدي به عندما تزوجت في عام 1992م ، وكان زواجي عبارة عن حفلة اشهار مصغرة شارك فيها فقط الجيران وبعض من تربطني بهم صلة قرابة من اهل المنطقة ، فلما سمع هو- رحمه الله - بأنني تزوجت ، قام مع بعض الأخوة وإشتري كبشا اقرن وجاؤوا به الى المنزل ، ولم اكن موجودا في الدار في ذالك الوقت ، فربطوه وانصرفوا وتركوا ظرف فيه بعض المال هدية للعروسة ، ولما قابلته وفي نفسي رغبة لعتابه على تحمل المشاق والمتاعب ، فإذا به يقابلني ببسمته الحانية وكلماته العذبة، وينهال على بالتبريكات ، مما جعلني استحي أني لم اخبره بالزواج ، فأكتفيت بالشكر الجميل .

المولد والنشأة :

تشرفت بمولده مدينة {على قدر }مدينة المناضلين والأبطال ، حيث إستقبل الدنيا - رحمه الله - في محضن ابوين كريمين ، دفعاه لطلب العلم والمثابرة عليه ، وقد تحملا الكثير من المشاق لتعليمه، وقد قاسيا لوعة الفراق وطول الغياب مع شدَة الشوق والحنين لفلذة الكبد وشطر الروح ، أسال الله أن يجزيهما خيرا، ويرحم من أقدم منهم على الله، ويمتع بالصحة والعمل الصالح من هو على قيد الحياة ، وهو لم يهبه الله ذرية ، ولم يكن ذالك بالنسبة له مشكلة ، حيث كان يعتبر جميع تلامذته وأبناء شعبه ذريته وأبناءه ، فكان يرفق بهم ، ويعلمهم ، ويسهر لمصالحهم .

المراحل الدراسية: بدأ دراسته كغالب أبناء ارتريا بخلوة القرآن الكريم حيث نهل من كتاب الله تعالى وذالك في مسقط رأسه ( على قدر ) ومن ثم التحق بالمدرسة ، ولكن إشتعلت الأرض نارا في بلدنا الحبيبة، حيث الجيش الأثيوبي المستعمر، وعملاؤهم من الكماندوس، وتصاعد عمليات الثوار الأشاوس الذي زلزلوا الأرض تحت اقدام المستعمر الغاشم الذي بدأ يبطش بالسكان الأبرياء ، وهرع الناس بالتدفق نحو السودان الشقيق ، ولم يكن الوطن الجديد بغريب عليه وعلى اسرته الكريمة حيث تمتد القبيلة ( المدا ) في ربوع شرق السودان ، فألتحق بمدرسة ( عواض الإبتدائية ) وعواض هي احد نقاط التماس السودانية المجاورة لأرتريا من حدودها الشرقية ، وقد أكمل الفتي اليافع تعليمه هناك بتفوق كبير مع صعوبة الحياة وشظف العيش ، ثم التحق في مدرسة ودشريفي المتوسطة ، وكعادته اكمل المرحلة بتفوق وتميز، وانتقل الى مدرسة كسلا الثانوية ، حيث تكونت شخصيته العلمية ومهاراته اللغوية ، فكان أحد فرسان اللغة ينظمها كأنها حبات لؤلؤ ترتبها أنامله ، وعشق مادة التاريخ وتفوق في مادة اللغة الإنجليزية ، مما اهله لولوج أعرق الجامعات السودانية ( جامعة الخرطوم ) كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.

مشايخه وتلامذته :

من الناحية الفكرية والحركية لا شك أنه تتلمذ على الشيخ / محمد إسماعيل عبد رحمه الله ، والشيخ / حامد تركي – حفظه الله – وكذالك الشيخ / الصادق عبد الله عبد الماجد , شيخ الحركة الإسلامية في السودان- متعه الله بالصحة ، كما تأثر كثيرا بصديقه الشاعر والأديب ورجل القرآن، وفارس جهاز التعليم / صالح على صالح – رحمه الله .

أما تلامذته : فلا حصر لهم ، والغريب انك تستطيع ان تتلمذ فيه من غير ما تجلس تحته للتلقي والمدارسة ، لأن كلماته قليلة وواضحة ومؤثرة ، وترسخ في نفس سامعيها ، فقد تخرج من مجلسه بزبدة وخلاصة في مجال الحديث او تفسير آية او نقد أدبي ، أو تلخيص كتاب ، او سرد قصة، او سرد تجارب ، وكل ذالك يمزجه ببسمة حانية تلقائية لا تفارق شفتاه .

العمل والمواقع التي تقلدها :

بعض تخرجه من الجامعة بتفوق وإقتدار ، كان بإمكانه الإستفادة من إمكانياته وإطلاق اشرعة الريح الى بلاد الهجرة والتغرب ، ولكنه آثر العمل وسط شعبه ، وترك مجاله الذي تخصص فيه ، وشرع في العمل فى المجال الإنساني الذي يعاني منه جل الشعب الأرتري ، فعمل في هيئة الأعمال الخيرية ، مع أن الراتب كا ن زهيدا جدا ، وكان أغلبه ينفقه على إكرام وتضييف إخوانه، وعلى كل طارق لباب الخير - وكنت ازروه أثناء عمله في هيئة الأعمال ، وكان يرحب بي ترحيبا يشعرني بعمق حبه لى ، وبما أنه كان مشغولا في العمل ، وهو لايعرف المجاملات والتهاون والتسيب عن العمل ، فكنت أغتنم زيارته وقت صلاة الظهر حيث من عادته الذهاب للمسجد ، فكنت اصاحبه ذهابا وإيابا الى المسجد ، ويبدوا أنه لم يكن دافعي لذالك في تلك الفترة اي شيئ آخر غير الشعور بالأخوة الصادقة والتزود من محضن التربية الآمن والإستفادة من توجيهاته الطيبة المباركة - ومن ثم إنتقل للعمل كمدير( للهيئة الخيرية للرعاية الإجتماعية ) وقد ترك فيها بسماته الواضحة، ونظامه الصارم في العمل، وروح إدارته الفاعلة ، ثم إنتقل للعمل مع الأمم المتحدة ( مترجم )، وإشتغل بتدريس مادة اللغة الإنجليزية لأبناء اللآجئيين في عدد من المدارس ، وقد وافته المنية وهو يخطط لتوسيع مشاريع المعاقيين الأرتريين التي عمل فيها في الفترة الماضية، وما أكثرهم !

صغر في السن وإنجاز في العمل :

الأستاذ عبد القادر الشاعر والأديب والمثقف الحاذق لم يتجاوز عمره احدي وخمسون عاما ، فقد كانت حياته- رحمه الله- مليئة بالإنجازات وخدمة الإسلام ، إذا تعرف عليك أدخلك في ذاكرته المتقدة بنور الإيمان ويظل يذكرك ويسأل عنك ، وهو عارف وماهر بأنساب الناس وبطون القبائل وعادات العشائر ، وهو اديب ناقد تشعر كأنه مرهم من البلسم الشافي للإنحراف الفكري، والصراط القويم للإعوجاج العقدي ، والمصحح الأمين لما أخفي المؤرخ المدلس الغبي ، على كل حال لم أعشق مجلس في حياتي و استمتع و انتفع به مثل مجلسه الذي يشع ثقافة وتنويرا، وحكمة مستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مجلس تحوطه السكينة وينتفي فيه الجدال والمراء ، أينما حلَ تجد النقاش الهادئ والحوار الهادف والتوجيه الهادي والعلم الواسع والمعرفة العميقة ، والطرفة اللطيفة.

تميز رحمه الله بأناقة المظهر وترتيب الهندام ، مع كثرة زيارتي له في الجامعة لم اره قط بملابس النوم ولا أشعث ولا أغبر ، بيته كذالك مرتب ومنظم وكتبه ومكتبه، منضبط في مواعيده، وفي بوعده ، صريح في رأيه، قوي في حجته .

رحل وعاء الثقافة وجبل التراث :

اتجهت في فترة من فترات حياتي الى دراسة الأدب والولع بقراءة التاريخ ، وكان التأثير الأول في حياتي في هذا الإتجاه فيما يبدوا بعض المؤثرات وعلى رأسها الأخ / عبد القادر رحمه الله رحمة واسعة ، كنت اسمع منه كلاما عن عادات الشعوب والقبائل الأرترية، يندر أن تجدها عند اي باحث او مفكر او كاتب ، وكذالك تعلمت منه أن للبيئة تاثيرا كبيرا على كلام وحركة وتفكير الإنسان ، بل حتي على شكله وهيئته ، وسبحان الله! ما قرأت مقدمة إبن خلدون أوكتابات مالك بن نبي أو غيرهم ، إلا جال في خاطري كلام الحبيب والأستاذ / عبد القادر ، وأنا حفظت منه بعض مؤثرات الطبيعة الجبيلة الوعرة على أهل المرتفعات وبعض مؤثرات السهل المنبسط على أهل المنخفضات، فعلى سبيل المثال ، حكي لنا مرة: أن رجلا من أهل بركة كان يعمل على رعي البقر في المرتفات فتدحرجت منه احد البقرات حتي استقرت في قعر الجبل وماتت ، وفي المساء بدء يخبر صاحب البقر بما حدث ، والقصة حكاها لنا إستاذنا (بلغة التجري) وإن كان قصها بنفس اللغة أكثر جمالا ورونقا لكنني سوف اقرب لكم المشهد باللغة العربية ، قال الرجل لصاحب البقر : اليوم وبينما انا فوق الجبل مع الأبقار ، فبادره الرجل إنشاء الله خير؟ فقال له: ( طنحنا انتادي ) أي انتظر قليلا ، وواصل يقول له : البقرة التي لونها كذا جاءت بجانب البقرة التي .. فيقاطعه ، ويقول له : هل نطحتها؟ فيقول له: ( طنحنا انتادي ) ويواصل : ضيقت عليها الطريق فصعدت فوق الحجر .. قيقاطعه ويقول له: ( أها ظدفت ) اي انزلقت ؟ ويستمر الحديث ، يريد صاحب البيئة الجبيلة أن يعرف نهاية القصة ، والآخر يحكي على راحته ، وتصور معي المشهد انقلاب سقوط البقرة وتدحرجها وكم مرة تدحرجت وما ذا كان يفعل هو ، ومن الذي كان يشاهد الحدث ، حتي بلغ الأمر بصاحب البقر ، أن يفقد أعصابه ولما اكمل القصة ، قال له : كل هذا الذي تحكيه لي فقط حتي تقول لي انها ماتت !!! ( ظدفت وموتت يتبلني).

وما أجمل استنتاجاته وملاحظاته عن الشعب الأرتري في أسفارهم وترحالهم ، وإقامتهم وظعنهم ، أزٍهم البهائم وحثها على الرحيل يسابقون بها الريح ، وحداء ابلهم وتمهلم وصبرهم يرحلون بها رحيل الرمال المتراكم ، كم يؤسفني أن الأستاذ الجليل لم يترك لنا تراثا مكتوبا ، مع أنه الان الله له البيان ، فكانت لغته العربية سلقية عذبة تتحدر كالغمام وتتفجر كالينبوع الرقراق ، كما كان يجيد الإنجليزية اجادة اهلها ، فيكتب بها ، ويترجم ويتحاور ويعلم ويدرس ، سمعت أنه كان ينوي أن يصدر كتابا في النقد الدبي ، ومتأكد لو صدر ذالك الكتاب لجعله أحد عمالقة النقد الأدبي المعاصر، كما علمت أنه كانت له محاولات شعرية بالعربي والإنجليزي ، وأرجوا من إخوانه الأساتذة الكبار وهم عبد الرحمن، والحاج ،وعثمان ، ولهم شقيقة واحدة ، ارجوا أن الا يبخلوا علينا بإنتاجه الذي تركه ، ونسال الله أن يلهمهم الصبر وحسن السلوان .

عبد القادر والحركة الإسلامية :

تربي في حضن الحركة الإسلامية الأرترية ، حتي سار من زينة شبابها وأكثرهم ألقا وتألقا وحضورا وتأثيرا ، وعندما برزت في الوجود ( حركة الجهاد الإسلامي الأرتري) سمعت أنه إعترض على طريقة تكوينها وتأسيسها ، وشعاراتها التي حملتها ، وكان يري أن هذا الإستعجال غير المدروس التي تكونت منه فسيفساء التوجهات الإسلامية سيؤدي لا محالة الى فشل التجربة ، وكان له أراء صريحة لإصلاح الخلل الذي يموج في داخل التجربة ، ولكن كان الحماس في ذالك الوقت يغطي جميع العيوب ويداري كل النتوءات ، فلما لم يجد اذنا صاغية سمعت أنه انزوي بعيدا وتفرغ للقضايا الإنسانية ،

ولكن يبدوا بعض الخلاف الذي حدث قد عاد يعمل في داخل الحزب الإسلامي ، وكانت بعض أسباب ذالك الخلاف هي التي كان يراها هو حتمية الحدوث ، وقد حدثت فعلا ، وهو لم يكن يتكلم رجما بالغيب ، ولكنه صاحب تجربة نضالية ، حيث كان فارس الإتحادات الطلابية الأرترية وأحد قادتها ، وكانت له مع اصحاب الأفكار الماركسية والبعثية صولات وجولات ، وكان هو ومجموعة من إخوانه تمكنوا من مد التيار الإسلامي والصحوة الإسلامية داخل الإتحادات الطلابية المختلفة .

قالوا عنه رفقاء دربه :

* يقول الأستاذ الفاضل والصحفي الألمعي البارز : عبد الإله الشيخ :

لا زلت أذكر رنين صوته في خطابه الرصين في افتتاح ملتقى الندوة العالمية للشباب الاسلامي في 1983 الذي بهر فيه قيادات العمل الإ سلامي المشاركين من ختلف دول العالم وأجبر مقدم البرنامج على التعليق في خطابه البليغ والثناء على فصاحته ، وما ينفك الدرس الذي ألقاه حول رسالة التعليم في الأسرة لأول انتقالي للمرحلة التكوينية في محاضن التربية بالحركة الاسلامية حاضرا في ذاكرتي ، ولا أنسى مداخلاته الذكية بل اكاد أذكر عباراته نصاً في توجيه النقاش بمؤتمرات الشُعب التي كان يشرف عليها ممثلاً لقيادة الحركة مع بعض إخوانه من الرعيل الأول .

عمل في العديد من المواقع ،وأدار الكثير من المؤسسات الخدمية والمنظمات الإنسانية ، كما عمل معلما في عدد من دور التربية والتعليم ، وترك بصماته واضحة في كل مرفق عمل به ، كالغيث أينما وقع نفع ، وكم من الناشئة الذين كانوا يرون فيه القائد القدوة فتأسوا به واقتفوا آثاره، ونهلوا من علمه ومعينه ، وكم من طالب في بداية الدرج يتحسس طريق النجاح فينير له الدرب ويحسن توجيهه ، وكم من رفقة حار بهم الدليل فكان بوصلتهم نحو الجادة .

كل هؤلاء وأولئك ألجمتهم الصدمة ، ودهتهم الفاجعة ، وتركهم هاديهم في طخية مظلمة ، وارتحل خفيف الحمل ، خلسة دون ضوضاء كما العهد به دوماً ، وكأني به وهو يدخل الغرفة التي كنا نشاركه فيها السكن إن تأخر به الليل في الخارج يدخل دون أن يثير الإنتباه حرصاً على راحة من يشاركونه السكن .

*قال عنه الداعية الفاضل ومربي الأجيال: الأخ على أبو محمد حفظه الله :

( كان – عبد القادر - يحرص على ان يكون عمله وسط اللاجئين الارتريين لأنه ببساطة يعتبر ان خدمة هؤلاء هي عبادة يتقرب بها الى الله تعالى ، فلم يكن يشترط لدى المنظمات التي يعمل بها أي امتيازات او مخصصات من مثل التي يشترطها أصحاب الكفاءات والخبرات من أمثاله ، فقد كان يقنعه القليل ، ولأنه استغنى على ما في ايدي الناس ، ودخل العمل مع هذه المؤسسات لرسالة كان يحملها فقد عرف عنه تشدده مع تلك المؤسسات في إيصال المساعدات الى مستحقيها من الفقراء والضعفاء ، لا يجامل ولا يحابي أحدا في ذلك ، وقد فقد وظيفته أكثر من مرة نتيجة مواقفه هذه ، وبحق استطيع ان أطلق عليه نصير الفقراء والمعاقين ..

أما تعليم أبناء اللاجئين فقد كان هاجسه الأعظم ، وكان يتحسر كلما رأى سعة مساحة الفاقد التربوي بين ابناء اللاجئين ، وكان يحرص على القيام ببرنامج التقوية للطلاب الممتحنين في المستويات المختلفة بنفسه كل ما وجد الى ذلك سبيلا ، ثم يشجع المتفوقين منهم بالهدايا والجوائز من جيبه الخاص ، وبالتأكيد يعترف له بالفضل في التشجيع والمساعدة عدد من الطلاب الذين هم اليوم في الجامعات وآخرون ضمن دولاب العمل) .

* قال عنه ابو المنتصر :

( إننا نشطركم الحزن والالم بفقدان احد اعمدة العمل الخيري والانساني في القرن الافريقي و يحدونا الامل والثقة بالله ان يكون تحت ظل عرش الرحمن ويفوز بشفاعة سيد الانام ... )

أما أنا ففقدي لك مضاعف يا أخي وحبيبيي وإستاذي ، كنت ادعوا الله أن نلتقي بعدما عركتني الأيام وعلمتني أقدار الرجال ، فكنت اطمح في إستعادة وترتيب ما تعلمت ، وملاحظة السمت الباهر واقتناص السلوك الحسن ، وتلقي النصح الفاضل ، وتسجيل سيرة رجل أخفي نفسه بثوب التواضع، وتنحي جانبا عن بهارج الدنيا وملذاتها ، وركل برجليه أضوائها وشهرتها ، فلله درك يا حبيب القلب ، أسال الله عزل وجل أن يجمعنا في مستقر رحمته ، إنه نعم المولى والقادر على ذالك ، وأسال الله لك الرحمة والغفران .

أخوكم / محمد جمعة أبو الرشيد.

الأربعاء، 21 أبريل 2010

دعاة وعلماء ومفكرون إرتريون عرفتهم

بسم الله الرحمن الرحيم

دعاة وعلماء ومفكرون إرتريون عرفتهم

(((2 )))

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن إتبع هداه. أما بعد :

سعيد إبن عطا القاضي

[شيخنا له من اسمه نصيب] ِ

فهو : سعيد إبن عطا القاضي: فالسعادة من اسبابها العطاء، وإحقاق الحق عن طريق القاضي العادل الذي جعل الله جزاءه الجنة، فقد ولد فضيلة شيخنا ( أبو عبد الله ) من أبوين كريمين أحسنا تربيته وإسمه ورعايته ، نسال الله أن يجزل لهم المثوبة في الدنيا وجنات النعيم في الآخرة ، وإن أفضل إستثمار يدخره الإنسان بعد موته إبن صالح يدعوا له.

المولد والنشأة :

في مرتفعات العاصمة اسمرا التي تدل على عظمة الخالق المبدع حيث الطبيعة الخلابة، والطقس المعتدل بين نسيم الصبا وأنسام الصباح، وبين خيوط الشمس وأنوار القمر، وبين زخات المطر وحسيس السحاب ، وفي بيت مبارك تعطره آيات القرآن وذكر الواحد الديان ولد فضيلة الداعية سعيد إبن عطا القاضي .

ومع إستيلاء( منجستوا هيلي ماريام) على مقاليد الحكم في إثيوبيا وتلقيه الدعم غير المحدود من المعسكر الإشتراكي وإجتياحه أرتريا بقوة عسكرية هائلة مسنودة بخبراء وأسلحة فتاكة من نفس المعسكر وغيره، ومحاولة القضاء على الثورة الأرترية التي كانت قد تمكنت من إسترداد وتحرير معظم الأراضي المغتصبة ، أخذ التدفق الأثيوبي وزاد صمود الثورة وتضاعفت التضحيات وإشتدت وطئة المستعمر وبدأ الناس يفرون الى الدول المجاورة ،

فهاجر شيخنا ( أبو عبد الله ) مع اسرته الكريمة الى السودان الشقيق في عام 1980 ميلادية وعاش خمس سنوات متنقلا بين معسكرات اللآجئين الأرتريين في شرق السودان ومنها إنتقل مع أسرته الى المملكة العربية السعودية التي تكونت فيها شخصيته العلمية حيث درس المرحلة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية .

وتتواصل الرحلة في مناكب الأرض .

وتقرر الأسرة الإنتقال الى كندا وعمر شيخنا آنذاك ستة عشر عاما ، فإذا بالفتي اليافع يهرع الى إستشارة مشايخه الذين تتلمذ على أيديهم ومنهم فضيلة الشيخ / الدكتورعبد الرحمن المحمود ، وإذا إستشارة المشايخ توافق هواه ويقرر عدم السفر الى بلاد الغرب خوفا على دينه ويتجه الي طلب العلم الشرعي وإكمال نقصه العلمي وتثبيت القرآن الكريم الذي أحبه و تعلق قلبه به في وقت مبكر من حياته .

الدين والعجين:

كل من طلب الدين إحتاج الى غذاء العجين وشيخنا( أبو عبد الله) آثر طلب العلم" فكيف يستطيع أن يتدبر معيشته ؟

قال لي الشيخ/ أبو عبد الله حفظه الله :[ بفضل الله على فتحت على ابواب الرزق ولم يحوجني ربي الى أحد ، مع أن مشايخي كانوا قد وعدوني بالمساعدة إذا احتجت اليهم ]

التوكل وبركة القرآن الكريم:

مع حسن توكله على الله فتح الله على شيخنا عملا مسائيا حيث عمل مدرسا للقرآن الكريم في مسجد الراجحي بالرياض وعمره لم يتجاوز بعد السابعة عشرة ربيعا ، ويبارك الله له في مدخول عمله ويغطي له متطلبات الحياة من إيجار المسكن والمأكل والملبس بل وحتي وقود السيارة.

إغتنام الفراغ قبل الشغل :

كان الشيخ/ أبو عبد الله في ذالك الوقت خفيف المحمل مقبلا على طلب العلم بشغف، فإذا به يملأ جرابه من بساتين العلم المختلفة ويقطف من رياحينه المتعددة ويتجول في حواشيه ومتونه ويجالس العلماء بالركب ويزاحم المجدين على حلقات العلماء ، فكانت بحق أفضل أيام طلبه وتحصيله، تكونت فيها ملكاته في الإدراك والإستنباط وإتسعت معارفه ومداركه في القياس والإستدلال . ومع ذالك إستمر شيخنا الحبيب في دراسته الأكاديمية لثلاثة أعوام متتالية حتي أكمل تعليمه الثانوي بتقدير بلغ درجة الإمتياز.

المنح والبعثات :

حصل فضيلة الشيخ/ أبو عبد الله علي منحة دراسية في الجماهيرية الليبية لدراسة الطب ، ولكن نسبة للظروف السياسية المضطربة آنذاك ولحكمة يعلمها الله آثر العمل لمدة سنة في مدينة الرياض في إحدي الشركات الإستثمارية ، ويثبت الشيخ جدارته كعادته دائما حيث علمنا عنه حبه للعمل وإتقانه وإجادته، فاءذا بالشركة تبعثه على نفقتها الخاصة لدراسة المرحلة الجامعية في مدينة الشارقة بالإمارات المتحدة في مجال الهندسة ، وبعد تحصيل إستمر عامين تبعثه الجامعة لدراسة دورة مكثفة لمدة شهرين في مدينة ( اكستر ) في بريطانيا .

نوي ولم يصل وصلي ولم ينو:

كانت نية الشيخ زيارة علمية قصيرة فتحولت الى إقامة طويلة تجاوزت الآن العشر سنوات في بريطانيا ، ولعل ذالك حدث لحكمة يعلمها الله ، فشيخنا الفاضل هو أحد الدعاة الذين يقدمون الدعوة الإسلامية في هذه البلاد وفق رؤية شرعية تراعي ضوابط الشرع ولا تتجاهل الأعراف، تنزل الأحكام مراتبها ولا تغفل التدرج، رؤية وسطية تعالج متطلبات الحياة بإرشاد الشرع وفقه الواقع، ويتضح ذالك من إختياره لأطروحة الماجستير وعنوانها { ضوابط التعامل مع غير المسلمين } وكان الشيخ حفظه الله بهمته العالية قد تجاوز في وقت قياسي دراسة بكلاريوس الشريعة في ( الجامعة الأمريكية المفتوحة فرع القاهرة ) ، وهو قدوة لجميع الشباب الظامئ لتحصيل العلم الشرعي ، فلم تمنعه مشاغله الدعوية ولا دراساته الأكاديمية ولا إحتياجات أسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة من المضي في طريق طلب العلم الشرعي .

الشيخ والدراسة الأكاديمية :

لم يضيِع شيخنا الحبيب وقته سدي بل إغتنمه، وإستفادة من وجوده في بريطانيا ، حيث واصل دراسته الجامعية في مجال الرياضيات، ومن ثم الماجستير في تعليم الرياضيات ونظريات التعليم ، وقد مكنه ذالك من الإلتحاق بدورة التدريس

المعتمدة لتدريس مادة الرياضيات في الثانويات العامة والكليات(PGCE) والجامعات البريطانية، ويعمل حاليا في تحضير أطروحة الدكتوراة في مجال

( نظريات القيادة والإدراة في المؤسسات التعليمية وتطويرها ).

العمل الحالي :

- إمام وخطيب مسجد المنتدي الإسلامي بلندن.

- خطيب مشارك بصفة منتظمة في مسجد ( النجاشي ) التابع للجمعية الإسلامية الأرترية.

- مشرف عام علي مدرسة (البر) الإسلامية في مدينة برمنجهام .

الإنتاج العلمي والمشاركات الإعلامية :

- حلقات مسجلة مع قناة إقرأ في برنامج ( كرسي العلماء ).

- مجموعة من الإصدارات المسموعة باللغتين العربية والإنجليزية في عدد من المواقع الإسلامية ومنها موقع ( طريق الإيمان ).ومما تميَز به الشيخ / أبو عبد الله حفظه الله حبه وعشقه للدعوة الى الله فما من يوم طلبنا منه درسا أو خطبة أو محاضرة إلا وترك مشاغله وخرج في سبيل الله داعيا ومبلغا ، وقد أعطاه مزمارا من مزامير داوود فما اجمل صوته وأعذبه وهو يترنم بقراءة القرآن الكريم ، أسال الله أن يجازيه خيرا ويرفع قدره في الدنيا والآخرة .

المنهج والأسلوب :

يتبني شيخنا الفاضل في كل أطروحاته وندواته ودروسه المتعددة ، منهج الوسط والإعتدال حيث يدعوا الي التواصل والتقارب بين التيارات الإسلامية ، والسعي لجمع كلمة المسلمين ووحدتهم، والتركيز على نقاط الإتفاق والإجتماع، ويرفض العنف والشدة في التغيير والإصلاح مسترشدا بالغاية الاصلية والإرادة الربانية في مبعث خاتم النبيين – عليه الصلاة والسلام ،

حيث قال له ربه ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

هذه سيرة موجزة على داعية من دعاة بلدنا الحبيبة ارتريا ، وإنه لفخر لنا أن يكون من بين أحد قادة الأمة وأعلامها وموجهيها من بني جلد تنا ووطننا الغالي .

أخوكم / محمد جمعة أبو الرشيد .

2010/4/18

Mja741@hotmail.com

والي اللقاء مع في حلقة قادمة بإذن الله تعالي.